أحمد بن علي القلقشندي

413

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

وظهر في محفلهم للهداية كالبدر وهم حوله هالة ، وكان دليلهم إلى الحقّ فغدوا بتسليكه من مشايخ الرّسالة ، وجاهد في بيان معاني القرآن العظيم حتّى قيل لمّا فسّره : هذا « مجاهد » ، واستدلّ على تنزيه من تكلم به - سبحانه - عن التشبيه والتعليل « وفي كلّ شيء له آية تدلّ على أنّه واحد » ، ونقل الحديث المحمّديّ الذي هو « موطَّأ » لتفهيم « الغريب » منه وميز « صحيحه » لكَّل « مسلم » فأطرب بسماعه الوفود ، وأفاد العباد « تنبيه الغافلين » فقاموا في الخدمة فأصبحوا تعرفهم بسيماهم : * ( سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ) * ( 1 ) ، وخفض جناحه الَّذي عبر به الشّعرى العبور والنّسر الطائر ( 2 ) ، وسار إحسانه إلى طوائف الفقراء فصار مثلا فحبّذا « المثل السّائر » . وكان فلان - أعاد اللَّه تعالى من بركاته وأسبغ ظلاله - هو الَّذي أقامه اللَّه تعالى لهذه الطائفة المباركة مرّة بعد مرّة ، وذكرت صفاته الجميلة فكان مثله للعيون قرّة ، واتّصف بهذه الصّفات الَّتي ملأت الأفواه والمسامع كما ملأت مرءآته المقل ، وحصل البشر بمعروفه الذي تتبعه السريّ « أبو يزيد » ( 3 ) فجرى على عادة القوم الكرام ووصل ، ونبعت عناصر فضائله فكانت شراب الذين صفت قلوبهم من كدرها ، وأمطرت سحائب علومه الإلهيّة الدارّة من سماء الحقيقة فسالت أودية بقدرها ، وظهرت لمعة أنوار شمس معارفه عند التّجلَّي على المريد ، وساق نفوس القائمين لمّا عزّ مطلبهم بأصله الَّذي شرح طلاسم قلب الفاني بذكر الباقي فغرقوا في بحار المحبّة * ( وجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وشَهِيدٌ ) * ( 4 ) .

--> ( 1 ) الفتح / 29 . ( 2 ) النسر الطائر : مجموعة من النجوم معروفة بمشابهتها للنسر . والنجم ذو القدر الأول منها يسمى « الطائر » . و « النجم الواقع » هو النجم ذو القدر الأول من مجموعة النجوم الَّتي تسمى « الشلياق » ، وكلا النسرين في النصف الشمالي من القبة السماوية . « والشّعرى العبور » : « أحد نجمين بجوار الجوزاء ؛ والأخرى « الشّعرى الغميصاء » . ( المعجم الوسيط : 580 ، 917 ) . ( 3 ) لعل الإشارة إلى أبي يزيد البسطاميّ ، طيفور بن عيسى ، المتوفى سنة 261 ه ؛ وكان من كبار الزهّاد . ( وفيات الأعيان : 2 / 531 والأعلام : 3 / 235 ) . ( 4 ) ق / 21 .